السيد محسن الأمين
6
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الجزء الثاني عشر الملاحق السيد محسن الأمين في سيرة حياته على اثر صدور ( أعيان الشيعة ) ، في حلته الجديدة التي ضمت اجزاءه كلها في عشرة مجلدات اختتمت بسيرة المؤلف ، نشر الدكتور وضاح شرارة المقال التالي : في ختام عشرات المجلدات التي كتبها في مئات من الشيعة وصرف عليها عشرات السنوات من حياة مديدة وخصبة ، اضطر السيد محسن الأمين إلى كتابة سيرته أو ترجمته ، هو المؤلف . فقدم للأمر ، بالاعتذار الحيي ، وعزاه إلى الاتباع : وضعناه ( الجزء الخاص بترجمة المؤلف ) اتباعا لما صنعه المؤلفون في الرجال ، كالعلامة في الخلاصة وغيره من ترجمة أنفسهم . . . . فلم يبد له ذلك علة وافية ، فامل منه تذكرة وعبرة . فتهيب ان يحمل نفسه ، وحوادث سيرته ، على التذكرة والعبرة ، فخلص إلى أن أكثر ما سيروي ليس بذي بال . ثم أخذ في الرواية والخبر . وإذ يروي مؤلف أعيان الشيعة ويخبر فقلما يدير الخبر على نفسه . فما نفسه ، موضوع الترجمة ، الا ما ينظم اخبار الآخرين وأفعالهم وكلماتهم وأسماءهم ومنازلهم ، ويسلكها كلها في سلك وخيط متصلين . وإذا سيرة المؤلف ، التي تذيل المجلد العاشر من طبعة الأعيان الجديدة ، وثيقة تاريخية واجتماعية وثقافية لا اعلم هل لها نظيرا في أدب اللبنانيين ، من عامليين وغير عامليين . وهي ليست وثيقة تاريخية واجتماعية وثقافية لأنها تجمع وقائع وشخصيات كثيرة ، وحسب ، بل لان كاتبها طبعها بالطابع الذي تنم به مقدمة السيرة . فهو يتناول ما يتناوله بالرواية مترجحا بين الاعتبار ، وما يفترضه من الرسو على معنى جلي وتام ، وبين متعة القص والتذكر ولو كان الباعث عليها غير ذي بال . فإذا غلبت المتعة ، وانزوى الاعتبار ، لم يجد حيفا في غلبة تلك وانزواء هذا . فمضى يروي شعائر تعلم القرآن في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر فيقول : إذا وصل الطفل إلى سورة الضحى ( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) فعليه ان يأتي إلى الشيخ بشيء من بيض الدجاج ليقلى ، وإذا وصل إلى عم ، عليه ان يأتي بغمة ان كان موسرا لقرب لفظة عم من غمة ، وكل ذلك كقرب زياد من آل حرب . كذلك روى وقائع مدرسة السيد جواد مرتضى في عيتا الزط : إحاطة الطلاب بالسراج في الليل كلا في فراشه ، يطالعون ، وتحطيب الشجرة القديمة والقريبة من القرية وكان أهل القرية يحترمونها ويتحرجون من قطع غصن منها ، وسرقة الدراهم من واحد من الطلبة فكتب احمد بري من تبنين على قطع من الخبز حروفا وقال : هذه لقمة الزقوم فمن كان سارقا وبلعها اختنق . فلما وصلت إلى السارق اصفر لونه وخاف من بلعها وأقر . وترسم الوجوه والطبائع عالما كثير الوجوه قلما اكترث التاريخ السياسي والاجتماعي لمسالمته والفحص عنه . فثمة أكبر الطلبة سنا يتعاطى كتابة الحجب والهياكل وعنده كتاب شمس المعارف الكبرى ، وكان بري نفسه يقتني كتابا يصف عمل المندل . وغذى هذه المخرقات رجل فارسي جاء إلى عيتا ، وكان تعاطى العلم ولم يتقنه . وإذا سافر محمد دبوق ، الشيخ لاحقا وأحد زملاء الأمين ، إلى العراق مع رفيق له ، سافرا راحلين بزي الدراويش . وحين عاد دبوق أخذ إلى الخدمة العسكرية في الرديف العثماني وذهب إلى سالونيك ، بينما سكن الأمين في دار تسمى بيت إبليس ، غربي الجامع الكبير في بنت جبيل ، وكان للطلبة النازلين هناك جيران لصيقون ليس بينهم الا الكواير التي لا تصل إلى السقف ولا تمنع سماع الصوت : فاتفق ليلة من الليالي ان 6 أرادوا جرش البرغل ، فجمعوا لذلك البنات الشابات بحسب العادة وشرعن في الجرش وفي الأغاني المعروفة عندهن . فمنعننا بذلك عن المطالعة فنهيناهن فلم ينتهين لأنهن إنما ينشطن للعمل بسبب تلك الأغاني ، فإذا تركنها فترن عن العمل ولم يزل الجدل بيننا وبينهن قائما مدة طويلة بدون جدوى . فأشار جارنا الآخر ، وهو إسكاف وعنده حمار قد خزن له تبنا ، ان نشعل النار في التبن ليصل الدخان إليهن فيضطرهن إلى السكوت فتصاعد الدخان وأصابنا منه أضعاف ما أصابهن ومع ذلك تغلبن علينا ولم يتركن ما كن فيه . . . . يروي العالم الكبير ما لا عبرة به ولا تذكرة ، وهو وارث علماء ومشيخة قال أحد اعلامهم انه لو كان للخالق ان يبعث نبيا بعد محمد بن عبد الله لايده بالعقل معجزة ودليلا وحجة . ربما كان ذلك شان من يحسب أنه ليس واسعا الحق كله من غير أن يشك في الحق وفي وجوب العلم به وإقامته . فكتب سيرته وترجمته من غير أن يتصدر ما كتب . ولم يضم ما رأى وسمع واختبر إلى نفسه . فلم ينصب نفسه ، واعماله وحياته ، علما بالفتح فالفتح على مشاهداته وخبراته . فكان نقيض عالم آخر ، كتب سيرته أيضا ، فملأها باخباره وبنفسه ، وفرض على الأحداث التي رواها معانيه وتأويله . فإذا ذكر أساتذته ومدرسيه بالغ في مديحهم ، وأورد إجازاتهم له بحرفها ، وفيها من الاطناب ما فيها . اما الأمين فيسكت عن مثيل هذا ويغضي ، وهو القادر على نشر ألويته . وإذا عاد العالم الآخر إلى الوطن روى محطاته كلها الواحدة تلو الأخرى ، وعرض الثلة من أهل عاملة ودمشق ، وزرافات المستقبلين الذين رجعوا به ، واعلام البلاد ووجوه العشائر . أعيان البلاد والجماهير والناس أفواجا أفواجا . . . . ومدح السيد محسن الأمين شيخه لعودته بدون أبهة ولا فخفخة ولا دعاية إلى الاستقبال وتهيئة الأسباب لإظهار الجلالة والنبالة كما يجري في هذا الزمن المنحوس إذ تحدد المنازل والساعات والدقائق للحل والترحال كما تحدد أسفار الملوك . جاء شيخ الأمين ، الذي حفظ له مودة وإعجابا لم يفترا حين كتابته ترجمته وكان الأمين أوفى على سن هي سن جد الشيخ الذي توفي شابا ، جاء من العراق إلى دمشق راكبا على بغل مكاري حتى نزل بباب الشيخ محمد حسين مروة بدمشق ولم يحضر لاستقباله أحد من أهل البلاد الا ان يكون بعض ذوي رحمه الأقربين . الملك والشيخ . . . لم يشك الأمين في أن الاثنين ينبغي الا يصيرا إلى واحد ، وفي أن صيرورتهما واحدا تفسرهما جميعا . فعاب على العلماء الشيوخ التشبه بالملوك والتنطح إلى سلطانهم ، وأخذ أنفسهم والناس بما يأخذ به الملوك أنفسهم ويأخذون الناس . ولم يحسب أن العلم يرفع إلى سدة السلطان وإلى سريره وتخته . فوصف بالإصلاح من أنشأ مدرسة تدرس فيها علوم العربية وعلما الأصول والفقه ، ومن أحيا إقامة العزاء لسيد الشهداء ورتب لذلك مجالس نفى منها الاخبار الموضوعة والأكاذيب ، ومن سن عمل الطعام عن روح الميت ثلاثة أيام ، وعلم الأدباء طريقة النقد في الشعر ، وحض الناس على حمل الهريسة إلى المساجد فيأكل منها الفقراء . المسافة وينقل السيد أبو محمد الباقر ( كنية السيد محسن ) عن السيد مهدي الحكيم ، الذي استقدمه وجوه البلاد من العراق ، في منتصف العقد التاسع